الرأي24

 

لم يعد بإمكان أي مواطن أو أية مواطنة في جل أنحاء البلاد، وبغض النظر عما إذا في البادية أو المدينة، إبقاء زجاج سيارته مفتوحا، أمام المتربصين الذين يترصدونه عند الإشارات الحمراء، وأمام أبواب المتاجر، وأبواب الأسواق، وفي محطات الاستراحة، وأمام المسجد، وفي الخلاء أحيانا..

بعضهم يمارس عمله في “التسول الاحترافي” طيلة النهار، ويمارس “استفزازاته” في النقطة نفسها يوميا، حسب التوقيت المستمر، ويفوض المهمة لمن ينوب عنه في حالة غيابه، لكي لا يفقد المكان. أما آخرون، فيكتفون برمي أطفال صغار بين عجلات السيارات عن كل لحظة وقوف، لممارسة التحصيل فيما بعد.

لا يؤدون أي خدمة، ومع ذلك يجد بعض راكبي السيارات الذين لا يعلم بحالهم سوى الله أنفسهم مجبرين على الأداء، وكل ذنبهم هو أنهم اختاروا توقيف عجلات السيارة، ولا يقف عدد المستفزين عند عشرة أو عشرين بل الآلاف (إن لم يكن أكثر بالنظر إلى حجم الظاهرة)؛ بل إن العملية تتكرر طيلة اليوم، ولا يميز “المتطفلون” بين المواطن الذي يقبل مساعدة أهل بلده في إطار الأخوة وبين السائح الذي يفترض “توقيره” حفاظا على صورة البلاد في الخارج.

ما معنى أن يتم بناء ناطحة سحاب، إذا كانت جحافل المتسولين ستحتل مدخلها لتمنع الزوار من الدخول بكل أريحية لأروقتها؟ ما معنى أن تبنى معمارا ضخما، إذا كانت جحافل المتسولين ستنشر الرعب بين السياح، وتمنعهم من أخذ صور تذكارية قرب هذه الممتلكات العامة؟ وما معنى الحديث عن برامج فك العزلة وتنمية العالم القروي إذا كان البؤس يقف على رجليه في كافة الشوارع ليستقبل المارة؟.

مثل اللعنة، يمكن للمواطنين والمواطنات أن يقضوا يومهم في مواجهة جحافل المتسولين وأشباه المتسولين، وفي الأخير يجدون أنفسهم أمام شخصيات أخرى مستفزة ترتدي سترة صفراء أمام باب العمل أو في الشارع المؤدي للعمل أو أمام البيت، حيث تتم المطالبة بـ”رسوم الركن” بمجرد التفكير في تحريك العجلات، والويل لمن يرفض أداء مقابل هذه الخدمة الوهمية الإجبارية.

سواء تعلق بأصحاب السترات الصفراء أو المتسولين، وكلها أنواع من المهن المسيئة للوطن والإنسان، فإن تطبيق القانون بات يفرض نفسه أكثر من أي وقت. كما أن المقاربة الاجتماعية لحماية هذا النوع من المواطنين تفرض نفسها بالتأكيد؛ ولكن تحمل المسؤولية يفرض نفسه بشكل أكبر، لأن استمرار العبث يهدد الاستقرار.. من يدري فقد يكون من بين المسؤولين من يريد تحويل البلاد كلها إلى محطة للتسول وحراسة السيارات، بدل المساهمة في بناء المجتمع..

 

س ابن عائشة