
تتجه الأنظار بمدينة أيت ملول إلى مآل اللقاءات التشاورية التي نظمتها الجماعة يومي 13 و14 أكتوبر 2026 بشأن مشروع التدبير المفوض لقطاع النظافة، في ظل معطيات متداولة من داخل الجماعة تفيد بأن دفتر التحملات وملاحقه سيشرع في توزيعهما على أعضاء المجلس ابتداءً من يوم غد، بناءً على تعليمات من رئيس المجلس الجماعي، دون أن يتضح ما إذا كانت الملاحظات والمقترحات التي تقدم بها المنتخبون وممثلو المجتمع المدني قد أُخذت بعين الاعتبار.
وتطرح هذه المعطيات علامات استفهام حول الجدوى الفعلية من اللقاءات التشاورية، خصوصاً إذا كانت الوثائق المعنية ستُوزع بصيغتها الحالية، من دون إدماج الملاحظات التي أثيرت خلال جلسات النقاش. فالتشاور، في جوهره، ليس مجرد لقاءات تُنظم وتُختتم بالتقاط الصور وإصدار البلاغات، وإنما مسار يقتضي التفاعل الجدي مع المقترحات وتوضيح كيفية التعامل معها قبل الانتقال إلى المراحل اللاحقة من إعداد المشروع. وتزداد حدة هذه التساؤلات في ظل ما يُتداول بشأن تعهد السلطات الإقليمية بمرور هذه العملية عبر مسار تشاوري حقيقي، بما يجعل احترام هذا التوجه موضع مساءلة، ويستدعي توضيحاً بشأن مدى التزام مختلف الأطراف بمقتضياته.

ولا يتعلق الأمر بملف عادي، بل بمشروع يرتبط بواحد من أكثر القطاعات التصاقاً بالحياة اليومية لساكنة أيت ملول، وتناهز كلفته السنوية، وفق المعطيات المتداولة، أربعة ملايير ونصف المليار سنتيم. وهو مبلغ ضخم يجعل من الضروري إخضاع مختلف جوانب المشروع للنقاش والتدقيق، سواء تعلق الأمر بالجدوى الاقتصادية، أو الكلفة المالية، أو مستوى الخدمات المنتظرة، أو آليات المراقبة وضمان احترام الشركة المفوض لها لالتزاماتها التعاقدية. وفي مثل هذه المشاريع، لا ينبغي أن يكون التشاور إجراءً شكلياً يسبق توزيع الوثائق، بل فرصة فعلية لمناقشة الاختيارات التقنية والمالية، وتقييم انعكاساتها على جودة خدمات النظافة وعلى ميزانية الجماعة، فضلاً عن تحديد مؤشرات واضحة لقياس الأداء وآليات فعالة لمعالجة الاختلالات المحتملة. ومن هنا، يبرز سؤال جوهري: هل أُعد دفتر التحملات باعتباره وثيقة قابلة للتطوير والتعديل بناءً على الملاحظات المقدمة، أم أن الصيغة المعتمدة حُسمت مسبقاً، ولم يتبقَّ سوى استكمال الإجراءات المرتبطة بها؟

إن توزيع دفتر التحملات وملاحقه، إذا تم قبل توضيح مصير الملاحظات المقدمة خلال اللقاءات التشاورية، من شأنه أن يعمق الشكوك بشأن طبيعة المقاربة المعتمدة في تدبير هذا الملف. فالمنتخبون الذين شاركوا في هذه اللقاءات، إلى جانب ممثلي المجتمع المدني، من حقهم معرفة ما إذا كانت مقترحاتهم قد خضعت للدراسة، وما الذي جرى الاحتفاظ به أو استبعاده، وما المبررات التقنية والمالية التي استند إليها واضعو الوثائق في التعامل مع مختلف الملاحظات. كما أن الرأي العام المحلي من حقه الاطلاع على المعايير المعتمدة في إعداد مشروع بهذه الكلفة، وفهم المراحل التي يمر منها قبل الوصول إلى صيغته النهائية، خصوصاً أن تدبير قطاع النظافة يرتبط مباشرة بجودة العيش داخل المدينة وبمدى قدرة الجماعة على تحويل الاعتمادات المالية المرصودة إلى خدمات ملموسة.
وأمام هذه المعطيات، يجد رئيس المجلس الجماعي نفسه مطالباً بتقديم توضيحات للرأي العام بشأن حقيقة التعليمات المتداولة حول توزيع دفتر التحملات، ومصير المقترحات التي قدمت خلال اللقاءات، ومدى إدماجها في الصيغة التي ستُعرض على أعضاء المجلس. كما تبرز الحاجة إلى توضيح موقف السلطات الإقليمية من المسار الذي اتخذه الملف، ومدى انسجام الخطوات المقبلة مع التوجه المعلن بشأن اعتماد التشاور قبل الحسم في الاختيارات المرتبطة بتدبير قطاع النظافة.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في تنظيم لقاءات تحمل عنوان التشاور، وإنما في إثبات أن هذا التشاور كان له أثر فعلي في إعداد الوثائق وصياغة الالتزامات التعاقدية. فكلما تعلق الأمر بصفقة عمومية ذات كلفة مالية مرتفعة وامتداد زمني طويل، ازدادت الحاجة إلى الوضوح والشفافية وإشراك المعنيين في مناقشة الخيارات المطروحة.
وبين الخطاب الذي يرفع شعار المقاربة التشاركية والمعطيات التي تتحدث عن قرب توزيع دفتر التحملات، يظل السؤال المطروح بإلحاح في أيت ملول: هل نحن أمام تشاور حقيقي يمكن أن يؤثر في مضمون المشروع، أم أمام محطة شكلية جاءت لتضفي طابعاً تشاركياً على مسار سبق الحسم في توجهاته؟ وهو سؤال ينتظر أجوبة واضحة من الجهات المعنية، لأن الأمر لا يتعلق فقط بطريقة إعداد دفتر التحملات، بل بمصداقية التشاور المحلي وبكيفية تدبير مشروع مالي وخدماتي يهم ساكنة المدينة لسنوات مقبلة.
A.B



