
بين رهانات التنمية وانتظارات الساكنة، تبرز مخاوف من أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى سباق على مواقع النفوذ بدل التنافس حول برامج واقعية لإنقاذ المدينة
يبدو أن مدينة آيت ملول مقبلة على مرحلة سياسية جديدة، قد تبدأ ملامحها في التشكل قبل حلول موعد الانتخابات الجماعية لسنة 2027، في ظل معطيات متداولة بشأن تحركات مبكرة لإعداد المرشحين وترتيب التحالفات، وسط تساؤلات حول المعايير التي ستتحكم في منح التزكيات، وما إذا كانت مصلحة المدينة ستظل في صدارة الحسابات الانتخابية المقبلة. فحسب معطيات توصلت بها الجريدة، فإن بعض الفاعلين والمتدخلين في الخريطة السياسية المحلية شرعوا في التحضير للاستحقاقات المقبلة عبر البحث عن أسماء مرشحة لخوض المنافسة الانتخابية، في تحركات تثير مخاوف من أن يكون الهدف منها ضمان مواقع داخل المجلس الجماعي المقبل أكثر من تقديم بدائل حقيقية تستجيب لانتظارات الساكنة.
وإذا كانت هذه التحركات تندرج، من حيث المبدأ، ضمن الاستعدادات السياسية الطبيعية لأي استحقاق انتخابي، فإن الإشكال الحقيقي يظل مرتبطاً بطبيعة المرشحين الذين ستتم تزكيتهم، ومدى امتلاكهم للكفاءة والنزاهة والاستقلالية والقدرة على تدبير الشأن المحلي، بعيداً عن منطق الولاءات الشخصية والحسابات الضيقة.
تأتي هذه التحركات، وفق القراءة التي تفرضها الأوضاع المحلية، في وقت لا تزال فيه طريقة تدبير المجلس الجماعي لآيت ملول تثير نقاشاً وانتقادات بشأن مستوى التعاون داخل المكتب المسير، ومدى انعكاس ذلك على وتيرة إنجاز المشاريع والاستجابة لمطالب المواطنين.
وقد برزت خلال المرحلة الحالية تساؤلات حول العلاقة بين الرئيس ونوابه، ومدى قدرة مكونات المجلس على العمل بانسجام لخدمة المدينة. فالتدبير الجماعي لا يقوم على موقع الرئيس وحده، بل يحتاج إلى تعاون بين مختلف مكونات المكتب والمجلس، وإلى رؤية مشتركة تجعل المصلحة العامة فوق الخلافات السياسية والشخصية. وفي الوقت الذي تتطلع فيه الساكنة إلى تحسين البنية التحتية والخدمات المحلية وتسريع المشاريع التنموية، فإن أي تعثر أو تأخير يفرض ضرورة تقديم توضيحات للرأي العام بشأن أسبابه، والجهات المسؤولة عنه، والإجراءات المتخذة لتداركه.
أما الأخبار المتداولة بشأن احتمال عزل الرئيس الحالي قبل انتهاء ولايته، فلا تزال، وفق المعطيات المتاحة للجريدة، غير مؤكدة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها قراراً محسوماً ما لم يصدر بشأنها إعلان رسمي أو حكم قضائي نهائي يوضح الوضع القانوني. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بالأسماء التي ستدخل غمار الانتخابات المقبلة، بل أيضاً بالجهات التي ستختارها، والمعايير التي ستعتمدها في منح التزكيات. فهل ستراهن الأحزاب على كفاءات قادرة على تقديم برامج قابلة للتنفيذ، والتواصل مع المواطنين، وتحمل المسؤولية والمحاسبة؟ أم أن الحسابات الانتخابية الضيقة وشبكات المصالح والولاءات ستظل حاضرة بقوة في تشكيل اللوائح؟
إن خطورة المرحلة المقبلة تكمن في احتمال إعادة إنتاج الاختلالات نفسها من خلال تغيير الوجوه دون تغيير طريقة التفكير في تدبير الشأن المحلي. فليس كل مرشح جديد قادراً بالضرورة على إحداث التغيير، كما أن الانتماء الحزبي أو القرب من مراكز القرار لا يشكلان وحدهما معياراً للكفاءة في تحمل مسؤولية رئاسة جماعة بحجم آيت ملول. ومن هنا، تصبح مسؤولية الأحزاب السياسية أكبر من مجرد البحث عن مرشحين قادرين على جمع الأصوات؛ إذ يُفترض فيها تقديم أسماء تحظى بالثقة، وتلتزم ببرامج واضحة، وتقبل إخضاع أدائها للمساءلة أمام المواطنين.
في الاستحقاقات التشريعية الأخيرة، طُرحت تساؤلات بشأن انعكاسات الحصيلة السياسية المحلية على اختيارات الناخبين، ومدى ارتباط نتائج بعض المرشحين بصورة الأحزاب التي ينتمون إليها في تدبير الشأن العام. وفي هذا السياق، يبرز سؤال سياسي مشروع: هل ستؤثر مواقف الناخبين من أداء المنتخبين الحاليين في اختياراتهم خلال الانتخابات الجماعية المقبلة؟ وهل ستستخلص الأحزاب الدروس اللازمة من النقاشات والانتقادات التي رافقت التدبير المحلي؟
في المقابل، لا يمكن اختزال مستقبل المدينة في صراعات التزكيات والتحالفات، لأن الرهان الحقيقي يتعلق بقدرة المواطنين، وخاصة الشباب، على فرض نقاش سياسي يرتكز على البرامج والكفاءة والنزاهة، بدل الاكتفاء بالشعارات أو الانجرار وراء الولاءات الشخصية. فهل سيطالب شباب آيت ملول بمرشحين يضعون التنمية المحلية في صدارة أولوياتهم؟ وهل ستُطرح أسئلة واضحة على المرشحين بشأن التشغيل، وتأهيل الأحياء، والنقل، والنظافة، والفضاءات الخضراء، وجودة الخدمات، وتدبير المال العام؟ وهل سيُطلب من كل مرشح تقديم التزامات قابلة للتقييم بعد توليه المسؤولية؟
إن المدينة لا تحتاج إلى مجرد أسماء جديدة على أوراق الترشيح، بل إلى تصور واضح لمستقبلها، وإلى مجلس قادر على العمل بانسجام، وإلى رئيس يمتلك القدرة على التنسيق والتدبير والتواصل مع مختلف مكونات المجلس والساكنة. فهل ستكون انتخابات 2027 فرصة لتجديد الثقة على أساس الكفاءة والبرنامج والمحاسبة، أم ستتحول إلى مناسبة لإعادة ترتيب المواقع والنفوذ، بما قد يترك آيت ملول أمام أسئلة التنمية المؤجلة نفسها؟



