التدبير المفوض للنظافة بأيت ملول.. هل غابت الوثائق وحضر التصويت؟

في المشهد السياسي والمحلي بمدينة أيت ملول، تتأكد يوماً بعد يوم مظاهر التدبير المرتجل الذي يعصف بأبسط قواعد الحكامة الجيدة والشفافية الإدارية، وهو ما تجسد بأجلى عيانه خلال دورة أكتوبر 2025 للمجلس الجماعي، وبالضبط عند مناقشة النقطة التاسعة والعشرين المتعلقة بتقديم نتائج الدراسة الخاصة بالتدبير المفوض لقطاع النظافة. فعوض أن تُشكل هذه النقطة محطة حاسمة لنقاش عميق ومسؤول حول مرفق حيوى يمس حياة المواطنين والبيئة، تحولت بقدرة قادر إلى محطة عابرة تطبعها السرعة وغياب المعطيات.

إن المنطق الإداري السليم يفرض تمكين المستشارين الجماعيين – باعتبارهم ممثلي الساكنة والمخول لهم تقرير مصالح المدينة – من الوثائق والتقارير التقنية كافية الاستيعاب والدراسة قبل أي تصويت، غير أن ما حدث في جماعة أيت ملول فاق كل التوقعات؛ إذ لم يُمكن أعضاء المجلس من نسخة ورقية أو رقمية للاطلاع على تفاصيل الدراسة، واكتُفي بعرض عابر على شاشة العرض (Data Show) قبل الانتقال مباشرة إلى باقي النقاط.

والأغرب من ذلك، والأكثر إثارة للسخرية والأسف، ما تضمنه محضر الدورة من تبريرات واهية تفيد بتعذر إدراج الدراسة ضمن المحضر بدعوى أن النسخ التي تم التوصل بها بصيغتي (Word وPDF) كانت كتابتها معكوسة، فضلاً عن غياب نسخة بصيغة (PowerPoint). فهل من المعقول، في عصر الإدارة الرقمية، أن تعجز جماعة ترابية بحجم أيت ملول عن تصحيح ملف معكوس أو طلب نسخة صالحة للقراءة؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون إخراجاً مسرحياً لتمرير قرار مصيري في عتمة الغموض؟

ومن بين المعطيات الصادمة التي تضمنتها هذه الدراسة، ورد رقم فلكي ومثير للريبة مفاده أن الفرد الواحد ينتج 71 كيلوغرامًا من النفايات يوميًا، وهو رقم يجانب الصواب تماماً في الواقع المعيش لأيت ملول. وهنا يطرح السؤال الجوهري حول كيفية مصادقة مجلس منتخب على خارطة طريق لقطاع النظافة تمتد لـ 07 سنوات قادمة وتبنى على معطيات وإحصائيات تثير الكثير من علامات الاستفهام حول المنهجية المتبعة في إنجازها، وهل توفرت المنهجية التفصيلية للأعضاء لتمحيصها أم أن سياسة الأمر الواقع تظل هي الفيصل؟

إن قطاع النظافة يعد من أكبر القطاعات استنزافاً لميزانية الجماعات الترابية، وتفويضه للشركات الخاصة يفترض أن يُبنى على دراسات تقنية ومالية دقيقة ومفتوحة للنقاش العمومي والمؤسساتي، فالمخطط المستقبلي الذي يتحدث عن إعادة توزيع القطاع إلى 24 قطاعاً وتقليص الجمع من باب إلى باب لصالح الحاويات وتحقيق تغطية شاملة، كلها شعارات تظل ناقصة ما دامت محاطة بضبابية كليّة تمنع حتى أعضاء المجلس من الإحاطة بجوانبها.

التدبير المفوض لقطاع النظافة ليس صفقة عابرة، بل هو التزام طويل الأمد يرتبط ببيئة وصحة المواطن وبمالية الجماعة، ولا يمكن بحال من الأحوال التعامل معه بمنطق “شوفو العرض وصوتو”. وما وقع في دورة أكتوبر 2025 بأيت ملول يدق ناقوس الخطر حول مأسسة التدبير العشوائي وتهميش الأدوار الرقابية والاقتراحية للمجلس، فالشفافية لا تقتصر على الشعارات الانتخابية، بل تترجم أجرأةً بتمكين أعضاء المجلس من الدراسات كاملة ليتحمل كل طرف مسؤوليته التاريخية، وتمكين الرأي العام من حقه الدستوري في المعرفة والاطلاع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى